سليم بركات: ثادريمس
$15.00
اختار سليم بركات في كل رواية من رواياته الثلاث الأخيرة قماشة من أحد الفنون ينسج عليها روايته. في رواية”أنقاض الأزل الثاني”دوّن تصوره لنقائض التاريخ الكردي على قماشة الألحان والأصوات وفي رواية”الأختام والسديم”جرى رسم الصراعات على خلفية الألوان، وفي هذه الرواية تسيطر لغة النحت في الحجر والمعدن”كعملة”روائية. بدت رواية”كهوف هيدراهوداهوس”نقلة مجازية صافية تحاول الاختزال الكوني الذي يخفي علىرغم رمزية الرواية الشديدة القمع البوليسي الاستبدادي”الجنوبي”في مقابل الحرية الوافدة من”الشمال”عبر رمز اورسين الكامل في مقابل كائنات السانتور المحيونة ذات الأذيال. كل رواية جديدة تحمل بعضاً من غبار الرواية السابقة وحبرها وإرثها، كالأسماء والمسميات الإغريقية في الروايتين الأخيرتين، بل إن شخصية محورية من”كهوف هيدراهوداهوس”ومكاناً من أماكنها يتلامحان في ظلال هذه الرواية.
“ثادريميس”المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت – 2005 هي حواء”الحكاية”الجديدة، أو هي”لبودا”الرواية أخت قابيل وهابيل التي جرى عليها الدم أو هيلين الرواية، ولهذا فهي رواية تستحق اسمها أهم شخصية ومحور الصراع فيها.
“ثادريميس”واحد من تسعة تماثيل يجرى الاحتراب عليها بين مملكتي ثاروس التي يقودها القاضي يوربات ومملكة هيكو التي يحكمها القاضي ميناذي. لكنّ ثادريميس ليست أنثى الخليقة الأولى، وأم الخلق حواء أو جميلة الجميلات هيلين… إنها هنا رمز المعرفة. المعرفة أنثى بدليل تاء التأنيث الساكتة في مقابل حروب جمع المذكر غير المسالم.
التماثيل التسعة مخلوقات من معادن كثيرة، حين ينجز النحاتون هيئاتها مجسمة، كاملة التجسيم، تتحرك وتنطق، فيعلمها المختصون مبادئ العلوم الصعبة وتتولى هي بنفسها من ثم توليد أسرار من تلك المبادئ البسيطة وتوسيع خصائصها. ثمانية منها كانت فاتنة بمراتب اختصاصاتها. لامينا النحاسي ذو الأربع اذرع طولاً، داهية ابتكار السموم، وكشف مستورها في الأطعمة. سيلبو النحاس الذراع الواحدة طولاً، مدرب النحل على اقتفاء زهر الليل، مصدر العسل الأنقى، في ارث نوعه. أهفافا الحجرية، ذات الأذرع، منشئة التقويم على 14 شهراً للسنة… إلى آخر المجموعة إذا قشرنا أردية المجاز وأكسية التوريات عن التماثيل التسعة التي تتقاتل عليها المملكتان والتي تستعصي بأحجيات الترميز على القارئ غير العاشق، غير الصبور، سنجد انها”روبوتات”مؤتمتة متطورة من ابتكار العقل في مملكة هيكو”محمية الروح الصلبة”وهو تعبير مشابه لمصطلح اطلقه الباحث المصري عبدالوهاب المسيري على حداثة الغرب الأولى في مقابل ما بعد الحداثة التي يسميها بالحداثة السائلة والمهددة بالأفول والانحطاط كما تنبأ من قبله شبنغلر. لكنّ بركات له وجهة نظر يصدرها عبر حكاية للكبار تلخص الحكاية الكونية وتوجز كل الحكايات. تلك”هيكو”، أما مملكة”ثاروس”المقابلة فهي مملكة بدائية زراعية تعتمد في اقتصادها على المواد الأولية زيتون وجعة وزبيب… ولا يتجاوز إبداعها نسج البسط والزرابي المتداخلة الألوان ولكل واحد من رعاياها رمز جديد كل يوم الباب، الماء، الرمل، الظل… يختاره بنفسه دلالة على غياب التناغم المفقود في ألوان النسج الملغزة وأشكالها المهشمة أيضاً. ثاروس أمة بلا إبداع، أو إنّ إبداعاتها لا تجاوز إبداعات اليد والعضل.
المصدر: الحياة














